حيدر حب الله
210
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
وبناءً على هذا الاحتمال ، تخرج الآية من موضوع يوم القيامة والآخرة تماماً ، ولا يصبح لها معنى في هذا السياق ؛ لأنّ الآخرة فيها معناها أواخر الأمور ، لا يوم القيامة . لكن ما قد يبعّد هذا الاحتمال هو كثرة تداول كلمة ( الآخرة ) بمثابة العَلَم لذلك اليوم المعروف ، إلى جانب حديث الآيات بعد ذلك مباشرةً عن فلسفة خلق السماوات والأرض ، وعن موضوع لقاء الله تعالى ، فهذا الاحتمال وإن كان وارداً للوهلة الأولى ، لكنّه بعيدٌ نسبيّاً عن السياق ، وعن المفردة القرآنيّة . الاحتمال الثاني : أن تكون الآية تتحدّث عن الدنيا والآخرة بالفعل بما نعرفه عنهما ، وفي هذه الحال ، نحن أمام افتراضين تفسيريّين محتملين : الافتراض الأوّل : أن نفهم من الدنيا والآخرة هنا عنصر التقابل ، وننتقل من التقابل في الدنيا إلى التقابل المفترض في كلمة ( ظاهراً ) ، وهذا ما فعله العلامة الطباطبائي والعرفاء فيما يبدو ، فهم قالوا : إنّ قوله يعلمون ظاهراً من الدنيا وهم غافلون عن الآخرة ، معناه أنّ الدنيا لها ظاهر ، وهو الذي يعلمونه ، ولها باطن وهو الآخرة ، فبدل أن يقول : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ، وهم عن باطنها غافلون ، قال : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، وبهذا تصبح الآخرة تعبيراً آخر عن باطن الدنيا . الافتراض الثاني : أن يقال بأنّ الآية تريد أن تؤكّد على أنّ الناس يعلمون ظواهر ما يجري من حولهم في الدنيا ، ولا يغوصون في أعماق هذه الظواهر وفلسفتها ، ويظنّون أنّ نهاية الأمور تكمن عند هذه المجريات الظاهريّة التي تقع من حولهم ، وهم لا يدرون أنّ هناك أموراً لا يعلمونها وهي خافية عنهم ، وتقع خلف هذه الظواهر التي يرونها .